أبو علي سينا
172
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
الفصل التّاسع في إقامة البراهين على جوهرية النفس وغناها عن البدن في القوام على مقتضى طريقة المنطقيين [ وإليك ] أحد البراهين في إثبات هذا المطلوب ، ولنقدم له مقدمات : منها أن الإنسان يتصور المعاني الكلية التي تشترك فيها كثرة ما ، كالإنسان المطلق والحيوان المطلق . وهذه المعاني الكلية منها ما يتصوره بتركيب جزئي ، ومنها ما لا يتصور لا بالتركيب بل بالانفراد . وما لم يتصور القسم الأخير ، فلا يمكن أن يتصور القسم الأول . ثم إنما تتصور كل واحد من هذه المعاني الكلية صورة واحدة مجردة عن الإضافة إلى جزئياتها المحسوسة ، إذ جزئيات كل واحد من المعاني الكلية لا تتناهى بالقوة ، وليس بعضها أولى بذلك من بعض . ومنها أن الصورة مهما حلت جسما من الأجسام ، وبالجملة منقسما من المنقسمات ، فقد لابسته في تمام أجزائه ، وكل ما لابس منقسما في تمام أجزائه فهو منقسم ، فكل صورة لابست جسما من الأجسام فهي منقسمة . ومنها أن كل صورة كلية إذا اعتبر فيها الانقسام بمجرد ذاتها فلا يجوز أن تكون أجزاؤها المعتبرة مشابهة للكل في تمام المعنى ، وإلا فالصورة الكلية التي اعتبر الانقسام في ذاتها لم تنقسم ذاتها ، بل انقسمت في موضوعاتها إما أنواعها وإما أشخاصها . وتكثّر الأنواع والأشخاص لا يوجب الانقسام في تجرد ذات الكلى ، وقد وضع أنه وقع وهذا خلف . فإذن قولنا : إن أجزاءها لا تشابهها في تمام المعنى قول صادق . ومنها أن الصورة الكلية إذا اعتبر فيها الانقسام فلا يجوز أن تكون أجزاؤها عرية عن جميع معناها ، وذلك أننا إذا جوّزنا ذلك وقلنا إن هذه الأجزاء مباينة لتمام صورة الكلى